الأسطورة صالح الكويتي

23 May 2011 - مازن لطيف - الأخبار - صحيفة عراقية حرة

تحضرني دائماً مقولة الباحث والروائي العراقي سلام عبود: ان التاريخ يكتب احياناً بحروف خائنة، وحضرتني هذه المقولة اكثر خلال مشاهدتي لبرنامج "حكاياتهم" الذي عرض على قناة الحرة - عراق بتاريخ 17/4/2011، وكانت الحلقة قد خصصت لدور اليهود العراقيين في الموسيقى العراقية. عرض البرنامج اغاني وشهادات لباحثيين وموسيقيين عراقيين منهم الناقد عادل الهاشمي والاستاذ عبد الرزاق العزاوي وغيرهم من الذين ادلوا بشهاداتهم مؤكدين ان حقبة العشرينيات والثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين كان يهود العراق يسيطرون عليها بامتياز. 

هذه الآراء سوف تفتح الباب أمام الجيل الجديد والاجيال القادمة لدراسة تاريخ ورموز واساطين الموسيقى العراقية وهم يهود العراق. من ضمن المتحدثين في البرنامج باحثون من يهود العراق منهم الدكتور سامي موريه "اشهر يهودي عراقي لما كتبه من مذكرات"، وشلومو نجل المرحوم صالح الكويتي وعازف الناي البير الياس، والباحث ايلي كوهين. 

يذكر الباحث د. حسين امين ان لليهود العراقيين دورهم في الغناء الذي ساد مجتمعاتهم كما برز منهم عدد من المغنين مثل يوسف حوريش وسليم شبت، ومن الموسيقيين نسيم بصون عازف الكمان وحسقيل شاؤول الضارب على الدف وشاؤول زنكي الضارب على الدنبك وحوكي بتو العازف على السنطور وداود الكويتي عازف العود وصالح الكويتي عازف الكمان، وهذان الاخوان كان لهما دور في العزف وتلحين بعض الاغاني العراقية للفنانات العراقيات، ولعل اشهر الاغاني اليهودية في ليلة الحناء والأعراس هي الاغنية التي مطلعها: 

عفاكي عفاكي على فند العملتينو 

انا تعبتو وانا شقيتو على الحاضر اخذ تينو 

لم يدون تاريخ يهود العراق موسيقياً منذ تهجيرهم القسري من العراق حتى سقوط النظام عام 2003، حيث بدا الباحثون بالكتابة عن دورهم الحقيقي في الموسيقى العراقية وفي مجالات اخرى، ثم أعيد إليهم دورهم واهميتهم بعد اكثر من نصف قرن من التهميش والاقصاء. ففي مجال الغناء والموسيقى شكل اليهود العراقيون صفوة المبدعين، ومن ابرزهم: قارئ المقام يوسف حوريش، فلفل كرجي، والاخوان صالح وداود الكويتي، وكذلك المطربة سليمة مراد وغيرهم. 

هنا اتساءل: كيف طاوعت الحكومة العراقية آنذاك نفسها بالتفريط بصالح الكويتي وشقيقه داود وترحيلهما من العراق؟، ولماذا بقيت المطربة سليمة مراد في بغداد حتى وفاتها؟، وكيف قبل نوري السعيد، الذي كان محباً للغناء والمقام العراقي، بتركهم يرحلون؟ لماذا لا يقام لصالح الكويتي نصب تذكاري في بغداد بعد عام 2003 حين استردت الحرية في العراق عافيتها بعض الشيء؟،خاصة بعد ان عرف الجميع أن الكويتي لحن حوالي 1000 أغنية لعدد كبير من خيرة مطربي العراق، ومنهم: نرجس شوقي، منيرة الهوزوز، سلطانة يوسف، سليمة مراد، زهور حسين، عفيفة اسكندر، وغيرهن. 

لم ينصف التاريخ الموسيقار صالح الكويتي لا في حياته ولا بعد رحيله، فعندما غادر الكويتي العراق وهو على مضض تعرض في مطار بغداد للتفتيش وكان يحمل اوراقاً دوّن عليها نوتات للمقامات العراقية كان في نيته نشرها في كتاب، لكنها صودرت من قبل رجال الشرطة.. وبعد اكثر من نصف قرن اصدر نجله "شلومو" كتاباً قبل ايام بعنوان "اوتار منعشة" باللغة العبرية، ونتمنى ترجتمه الى اللغة العربية، والكتاب يلخص سيرة الفنانين الاخوين صالح وداود الكويتي من الكويت الى العراق والى يوم وفاتهما في اسرائيل. وقد ذكر لي نجل الكويتي انه مسرور كثيرا لان هناك في العراق اليوم من يحاول ان يعيد لصالح الكويتي اعتباره وان يسجل على المستوى الصحفي والاكاديمي تقديره لما قدمه صالح الكويتي للموسيقى العراقية. واشير هنا بوجه خاص الى البحوث والامسية الدراسية التي اقيمت في جامعة بغداد قبل عامين والتي تناقلت وقائعها الصحف العراقية في حينه. ثم تلاه المؤتمر الكبير الذي عقد لذكراهما في جامعة لندن. 

لقد اعاد واكد برنامج "حكاياتهم" الدور الحقيقي ليهود العراق في مجال الموسيقى والغناء وانهم عاشوا الفترة الذهبية للموسيقى العراقية في العراق الى لحظة ترحيلهم القسري منه، وانهم طبعوا الموسيقى العراقية بطابعها الخاص وقدموا للعراق روائع الالحان بمواهبهم الفذة، فنعم الحر الذي يحفظ اليدا. 

عن جريدة" العالم" البغدادية 

RSS logo